أحمد بن حجر الهيتمي المكي

46

الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود

( والصواب عندي : أن الصلاة لغة بمعنى واحد وهو العطف ، ثم هو بالنسبة إليه تعالى الرحمة ، وإلى الملائكة الاستغفار ، وإلى الآدميين دعاء بعضهم لبعض ) ا ه وقرىء بالرفع « 1 » ، وعليه فيحتمل أنه عطف على محل اسم ( إن ) « 2 » ، و ( يصلون ) خبر عنهما ، وأن يكون ( يصلون ) خبر الملائكة ، وخبر الجلالة محذوف ، وهو مذهب البصرييّن لما مرّ « 3 » ، ولئلا يتوارد عاملان على معمول واحد ، ولئلا يلزم الاشتراك والأصل عدمه ، ولأنا لا نعرف في العربية فعلا واحدا يختلف معناه باختلاف المسند إليه إذا كان الإسناد حقيقة . وبما قدّمناه من وضعها للقدر المشترك يردّ الأخيران ؛ إذ لا اشتراك حينئذ ، ولا اختلاف باختلاف المسند إليه . ثم القول بأن الضمير للّه عزّ وجلّ وملائكته . . لا ينافيه قوله صلى اللّه عليه وسلم لمن قال : من يطع اللّه ورسوله . . فقد رشد ، ومن يعصهما . . فقد غوى : « بئس خطيب القوم أنت ، قل : ومن يعص اللّه ورسوله » « 4 » وذلك لأن حكمة التشريك هنا : أن هذا قول من اللّه عزّ وجلّ شرّف به ملائكته ، فلا يتوهم منه نقص البتّة ، ومن ثمّ جمع صلى اللّه عليه وسلم نفسه مع ربّه في قوله : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما » « 5 » ، وأما الخطيب . . فمنصبه قابل للزّلل ، فنطقه بهذه العبارة ربّما يتوهم منه - لنقصه - أنه إنما جمع بينهما في الضمير لتساويهما عنده .

--> ( 1 ) وهي قراءة شاذة قرأ بها أبو عمرو من رواية عبد الوارث . ( 2 ) أي : باعتبار محله قبل دخول ( إن ) ، وهو منسوب إلى الكوفيين وبعض البصريين ، انظر « حاشية الصبّان على الأشموني » ( 1 / 284 ) . ( 3 ) قوله : ( وأن يكون « يصلون » خبر الملائكة . . . ) هذا هو الاحتمال الثاني في إعراب قراءة الرفع ، ومراد المؤلف رحمه اللّه تعالى : أنّ ( الملائكة ) مرفوع على الابتداء ، وجملة ( يصلون ) خبر عنه ، ففي العبارة اختصار . ( 4 ) أخرجه مسلم ( 870 ) ، والنسائي ( 6 / 91 ) ، وأحمد ( 4 / 256 ) . ( 5 ) أخرجه أحمد ( 3 / 278 ) .